ابن حزم
52
رسائل ابن حزم الأندلسي
ابن حزم وذهنه ، كان حضورا دقيقا ، وأنا أقدر أنه حفظه في سن صغيرة حتى ظلت ذاكرته تستوعب منه عبارات مطابقة أو مقاربة ؛ تأمل قوله : " وسمع بعض الحكماء قائلاً يقول الفراق أخو الموت فقال بل الموت أخو الفراق " ( 1 ) ؛ تجده علق بذاكرته من كتاب الزهرة ثم أنسيه نصاً ، فأداه بحسب المعنى ، وأصله في الزهرة : " وقد قال الجاحظ : لكل شيء رفيق ، ورفيق الموت الهجر ، وليس الأمر كما قال بل لكل شيء رفيق ، ورفيق الهجر الموت " ( 2 ) . ومثل هذا حدث له في إيراد الرأي الفلسفي حول انقسام الأصلي الأرواح الكريه ، وقد ذكرت لك من قبل . فهذا التباين بين النص الأصلي والاقتباس لا يفسره إلا أن ابن حزم حين كان في شاطبة يكتب " طوق الحمامة " لم تكن لديه نسخة من كتاب " الزهرة ، وإنما كان يستعيد بعض ما علق منه بذاكرته ، وسنرى أثر كتاب " الزهرة " حتى في المنهج الذي بنى عليه كتابه . 6 - خطة الرسالة : وحين استجاب ابن حزم لما اقترحه عليه صديقه ونوى أن يكتب " رسالة في صفة الحب ومعانيه وأسبابه وأعراضه وما يقع فيه وله على سبيل الحقيقة " دون تزيد أو تفنن ، أخذ يتصور خطة لتلك الرسالة ، ولما كان يريد قول الحقيقة من غير تزيد أو تفنن ، التزم بأن لا يورد إلا تجارب واقعية ، مما وقع له هو نفسه أو مما وقع لغيره وحدثه به الثقات ، وهذه الواقعية قد أبعدت عن رسالته حكايات الأسمار التي أدارها قصاص ذوو خيال - واسع أو ضيق - حول مشهوري العشاق ، وأحداث العشق السالفة ؛ وأنقذت رسالته من الجنوح إلى الخيالات مثلما أنقذنها رسالته من الجنوح إلى الخيالات مثلما أنقذتها من التردي في المبالغات ، لان غايتها هي أن تصور لقارئها كيف يعيش الحب في الواقع ، وفي الواقع الأندلسي على شكل خاص ، كيف
--> ( 1 ) باب البين ( رقم : 24 ص : 215 ) . ( 2 ) الزهرة : 137 .